fbpx
Our Lebanon
Image default

حرب العيش المشترك

واظب أمين عام “حزب الله”، حسن نصرالله، على تقديم معادلة متعلقة بالحرب الأهلية، مفادها أن حزبه يذهب إليها، بما هي، بادئ ذي بدء، مستخدماً السلاح، من أجل درء الفتنة. بالتالي، هو يحدد معنى لتلك الحرب بما هي سبيل للحفاظ على العيش المشترك بين الطوائف، وفي النتيجة، الحفاظ على انتظام علاقاتها تحته. فعلياً، تحديد نصرالله لمعنى الحرب هذا قد يبدو أنه لا يتصل بأي منطق، بل إنه مجرد حجة يفتعلها من لا قدرة له على الاستدلال عليها. ففي حين أن “حزب الله” يريد الانتقال إلى تلك الحرب، فهو يفتش عن تسويغها، ولا يجده سوى عبر تبريرها بكونها وسيلته لحماية السِّلم وكل ما يرتبط به. ضرب من التناقض، الكاريكاتوري بالتأكيد، لكن، في قلب كاريكاتوريته، ثمة ما يعين وظيفة الحرب إياها حيال السياسة، حيال نظمها.

إحالة نظرية لا بد منها، وهذا، رغم كونها بعيدة نوعاً ما. فجورجيو اغامبن، وفي إحدى محاضراته عن هذه الحرب، أكد أن وقوعها ليس رجوعاً إلى ما قبل الدولة، على العكس، هو منها. هذه الصلة بين الاثنتين، تجعل الحرب موقفاً لإعادة تشغيل الدولة، إذا صح التعبير، وهذا التشغيل له شكل معين، يمكن وصفه بأنه تسييس ما ليس سياسياً ونزع السياسة عما هو مسيس. ففي الدولة، التي تحكم المدينة، وهنا، أستند إلى قموس أغامبن (بتصرف)، ثمة توازن بين ما هو سياسي وغير سياسي. أما حين يغيب هذا التوازن، تأتي الحرب لتفضي اليه من جديد: تُسيّس ما لم يتسيس، ولا تُسيس ما هو مُسيّس. على هذا النحو، تعيد الحرب ترميم التوازن، قوام الدولة، وتجعلها تحكم من جديد.

كل هذا، يمكن سحبه على الحرب التي هدد بها قائد الدولة اللبنانية، حسن نصرالله، بحيث أنها تبغي إعادة بث الحياة في العيش المشترك، باعتباره شكلاً من أشكال ذلك التوازن. بالطبع، هناك حجة أخرى، يرتكز إليها نصرالله في حربه، وهي أن التحقيق الذي يقدم عليه القاضي طارق بيطار في قضية المرفأ، هو تحقيق “مسيس”، وبهذا، هو يختار الحرب لنزع التسييس عنه. إذ أن الحرب هي أيضاً طريق من أجل إعادة توزيع السياسة إذا صح التعبير، وقبل ذلك، هي طريق من أجل تحديدها بمفعول بعينه: السياسة بحسب هذه الحرب هي التي تكفل التوازن، أما السياسة، التي تبغي هذه الحرب نزعها، فهي التي تُخلّ به. بهذا الشكل، تحقيق طارق بيطار، لا ينطوي على شجاعة فحسب، إنما على سياسة مضادة لتلك السياسة، لسياسة الدولة، ولسياسة حزبها: سياسة لا تأبه للتوازن، في مقابل سياسة تلجأ إلى الحرب من أجل فرض هذا التوازن! في النتيجة البديهية، حين يبغي “حزب الله” نزع “التسييس” عن التحقيق، فإنه يعود ويدمجه في السياسة، سياسة التوازن والدولة والمدينة. ويقضي، وبالحرب، على أي محاولة لتدبيره، يعني تسييسه، بعيداً منها. وبهذا، فالحرب، في هذه الناحية، تريد “قلع” سياسة لا تمتّ للسياسة بِصِلة من أجل تحقيق هذه السياسة. من جهة، الحرب هي قطع للسياسة، ومن جهة أخرى، الحرب هي استمرار السياسة (كارل فون كلوزفيتس).

كل هذا، يؤدي إلى اعتبار ان هذه الحرب ليست التي تناقض التوازن، أو العيش المشترك، إنما هي تحميه من شيء معين، وهو التحقيق، أو الكشف عن حقيقة متعلقة بمجزرة كبيرة كمجزرة المرفأ. الدولة وحزبها من ناحية، والحقيقة من ناحية أخرى. الطرف الأول يقوم بنفي الطرف الثاني من خلال الحرب. وهذا، في النهاية، من الكلاسيكيات اللبنانية: نَظمُ بلد بأكمله على أساس إنكار حقيقة ما حصل به، نَظمُه بطريقة تجعل الحرب فيه حرباً منه، أي أنها لا تهدده، إنما تصونه، فتكون عندها حرباً بلا حرب.

Related posts

التحرّكات “الإحتجاجية” مستمرّة.. إليكُم حال الطرقات!

Our Lebanon

توفيت صدماً أثناء توجهها إلى مدرستها…

Our Lebanon

بين دبي وبيروت: دموعٌ ونجاحٌ وسَفَلة

mtv
%d مدونون معجبون بهذه: